اسماعيل بن محمد القونوي

439

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 186 ] لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 186 ) قوله : ( أي واللّه لتختبرن ) أي اللام جواب قسم محذوف قوله لتختبرن أي أصل الابتلاء الاختبار والامتحان أو أصله التكليف بالأمر الشاق من البلاء لكنه لما استلزم الاختبار بالنسبة إلى من يجهل العواقب فسر به واختباره تعالى مجاز على طريق التمثيل شبه حاله تعالى مع المكلف في تكليفه مع تمكينه من الأمرين الطاعة والمعصية بحال المختبر أي الممتحن مع المختبر بفتح الباء ثم عبر عنها بالاختيار وهذه الآية تسلية للمؤمنين باختبار ما سيلقونه من المشركين إثر تسلية ما قد وقع منهم ليستعدوا لقائه ويقابلوه بحسن الصبر فإن هجوم الأوقات مما يشتت الفؤاد وبهذا البيان يعلم الارتباط . قوله : ( بتكليف الإنفاق وما يصيبها من الآفات ) لأنه مما يشق على النفس بحسب الطبع وإن كان في الحقيقة الاضعاف لا الإتلاف وكون التكليف بالأوامر من الابتلاء مما اتفق عليه المحققون « 1 » والمفسرون وقد صرحوا به في قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [ البقرة : 124 ] الآية . قوله : ( بالجهاد والقتل والأسر والجراح وما يرد عليها من المخاوف والأمراض والمتاعب ) إذ الامتحان قد يكون بالنسبة إلى النوع كما يكون بالنسبة إلى الشخص وقدم الأموال لكثرة وقوع الهلكة فيها مع أنها شقيق الروح . قوله : ( مِنْ قَبْلِكُمْ ) أي من زمان قبل زمان وجودكم أو من قبل إيتاء القرآن وهم اليهود والنصارى والتعبير عنهم بذلك لمزيد التوبيخ على ما وقع عنهم إذ التمسك بالكتاب مما يوجب الاتفاق وهم يجعلونه ذريعة إلى الشقاق كما يومي إليه قولهم : إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا [ آل عمران : 183 ] الآية ومقابلتهم بالمشركين لأنهم موحدون بزعمهم وادعائهم وإن كانوا مشركين حقيقة وفي نفس الأمر . قوله : ( من هجاء الرسول عليه السّلام والطعن في الدين وإغراء الكفرة على المسلمين أخبرهم بذلك قبل وقوعه ليوطنوا أنفسهم على الصبر والاحتمال ويستعدوا للقائها حتى لا قوله : أخبرهم بذلك قبل وقوعها ليوطنوا أنفسهم على الصبر وفي الكشاف خوطب المؤمنون بذلك ليوطنوا أنفسهم على احتمال ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها حتى إذا لقوها لقوها وهم مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من تصبب الشدة بغتة فيشكرها وتشمئز منها نفسه . قوله : حتى لا يرهقهم نزولها من رهقه بالكسر أي غشيه أي حتى لا يغشاهم نزول تلك الأمور التي يختبر بها من المذكورات .

--> ( 1 ) وبهذا اندفع الإشكال بأن الانفاق لا يليق نظمه في سلك الابتلاء لما أنه من قبيل الاضعاف لا من الاتلاف .